موقع الشيخ الدكتور مسفر الدميني
موقع الشيخ الدكتور مسفر الدميني
السبت 11 يوليو 2020

جديد الصور
جديد مؤلفات الشيخ
جديد مقالات الشيخ
جديد الفيديو
جديد ترجمة الشيخ



جديد مؤلفات الشيخ

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

مقالات الشيخ
مقالات الشيخ
أدب الاختلاف (الجزء الثاني)
أدب الاختلاف (الجزء الثاني)
أدب الاختلاف (الجزء الثاني)
02-24-2012 05:46
وفي مسلم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ } قَالَ : دَخَلَ قُلُوبَهُمْ – يعني الصحابة - مِنْهَا شَيْءٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا ، قَالَ فَأَلْقَى اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } قَالَ قَدْ فَعَلْتُ { رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا } قَالَ قَدْ فَعَلْتُ { وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا } قَالَ قَدْ فَعَلْتُ .
وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ " متفق عليه .
وما دام الخلاف بين الناس أمراً طبيعياً ، وقد اختلف الصحابة في كثير من القضايا ، وقد علم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاهده ، وأقر بعضاً منه ، وحذّرهم من بعض ، وإذن فالإثم مرفوع عمن أخطأ في اجتهاده بنص الكتاب والسنة ، فإذا وقع بيننا شيء من الخلاف الذي لا ينفك منه البشر ، بسبب خطأ وقع فيه أحدنا ، فلا نجزع منه - وعلينا أن نبين له ما نراه أنه حق - إنما الخوف من خلاف يؤدي إلى عداوة وكراهية ، وبغي وظلم بالقول أو الفعل .
يقول ابن القيم : ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم ، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه ، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب ، وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية ، ولكن إذا كان الأصل واحداً ، والغاية المطلوبة واحدة ، والطريق المسلوكة واحدة لم يكد يقع اختلاف ، وإن وقع كان اختلافاً لا يضر كما تقدم من اختلاف الصحابة ، فإن الأصل الذي بنوا عليه واحدٌ وهو كتاب الله وسنة رسوله ، والقصد واحد وهو طاعة الله ورسوله ، والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة وتقديمها على كل قول ورأي وقياس وذوق وسياسة . انتهى .

المسألة الثانية :
إذا تقرر هذا فأخوة الإسلام تفرض عليك أن تحب وتوالي أخاك المسلم وإن اختلفت معه في رأي أو مسألة ، وأن تدافع عنه ، وأن تُقَدِّر له اختلافه معك ، وتتلمس له عذراً فيه ، فلا تسبه ولا تشتمه ، ولا تسيء الظن به ، أو تعاديه ، أو تتهم نيته وقصده ، أو تُحَمِّل كلامه ما لا يحتمله ، أو تنتقي من عباراته ما يُعَزِّز خلافك معه ، حتى وإن ظلمك أو بغى عليك ، وكل تلك الحقوق ثابتة بالأدلة الصحيحة الصريحة -من الكتاب والسنة - بحيث لا يخرج منها شيء إلا بدليل ، وهذه هي المسألة الثانية وهي لب الأمر .
وفيها يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :
والمؤمن عليه أن يعادى في الله ويوالى في الله ، فان كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وان ظلمه ، فان الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية ، قال تعالى : {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فان فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب القسطين إنما المؤمنون أخوة } فجعلهم أخوة مع وجود القتال والبغي والأمر بالإصلاح بينهم .
فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وان ظلمك واعتدى عليك ، والكافر تجب معاداته وان أعطاك وأحسن إليك ، فان الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله ، فيكون الحب لأوليائه ، والبغض لأعدائه ، والإكرام لأوليائه ، والإهانة لأعدائه ، والثواب لأوليائه ، والعقاب لأعدائه .
وإذا اجتمع في الرجل الواحد خيرٌ وشرٌ ، و[برٌ و]فجورٌ ، وطاعة ومعصية ، وسنة وبدعة ، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير ، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر ، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة ، فيجتمع له من هذا وهذا ، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته .
هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة ... انتهى .
وقد أطلت بهذا النقل لتقرير " الأخوة " و " المحبة " و " الموالاة " بين المسلمين لما لها من أثر في معرفة الآداب التي ينبغي لنا التأدب بها ، فأنت لا تتعامل مع " عدو" ولا مع " خصم " بل تجادل من ثبتت " أخوته " لك بنص الكتاب والسنة ، فاعتبر هذا المخالف " أخاً " لك من النسب والقرابة ، فبأي أسلوب يمكنك أن تخاطبه به ؟ وأي عبارة يمكنك أن تقولها له ؟ وهذا أوان ذكر هذه الآداب .
آداب الاختلاف :
الأول : إخلاص النية :
لن أطيل بذكر النصوص الدالة على ضرورة " إخلاص النية لله " في كل قول أو عمل ، أو نقاش أو مجادلة ، فهي معلومة ومعروفة للجميع ، وكلٌ منا يعلم من نفسه صدق نيته ، وإرادته للحق ، ولكني أؤكد على أمرٍ مهمٍ قد يخفى على البعض منا في هذا الأمر ، ألا وهو " حظ النفس " من حب الغلبة والظهور والانتصار ، فإذا لم تُخْرِجْ هذا الحظَّ من نفسك فلن تنتفع كثيراً بعلمك ، فالنفس جبلت على حب الذات ولذا يأتي " الحسد " بسبب كراهية أن ترى غيرَك أو قرينَك خيراً منك ، والمؤمن يجاهد نفسه في هذا الأمر جهاداً كبيراً ، بل قال بعض السلف : ربما أحدث بحديث ولي فيه نية ، فإذا أتيت على بعضه تغيّرت نيتي ، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات ...
المهم أن تكون نيتك خالصة لله في طلب الحق ، ومعرفة الصواب ، وفي المناقشة والاستدلال ، وفي الرجوع عن الخطأ إن وقع منك ، وأن تُخْرِجْ من قلبك " حبَّ الظهور " والغلبة والانتصار ، والتعالم ، أو أن يقال : فلان عنده علم كثير ، أو ذكاء وقاد ، أو حجة قوية ... وغير ذلك من آفات الإخلاص ، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : فإن الإنسان عليه أولا أن يكون أمره لله ، وقصده طاعة الله فيما أمره به ، وهو يحب صلاح المأمور أو إقامة الحجة عليه ، فإن فعل ذلك لطلب الرياسة لنفسه ولطائفته وتنقيص غيره كان ذلك حمية لا يقبله الله ، وكذلك إذا فعل ذلك لطلب السمعة والرياء كان عمله حابطاً ، ثم إذا رُدَّ عليه ذلك وأوذي ، أو نسب إلى أنه مخطئ وغرضه فاسد طلبت نفسه الانتصار لنفسه وأتاه الشيطان ، فكان مبدأ عمله لله ، ثم صار له هوى يطلب به أن ينتصر على من آذاه ، وربما اعتدى على ذلك المؤذي .
وهكذا يصيب أصحاب المقالات ... يغضبون على من خالفهم وإن كان مجتهداً معذوراً لا يغضب الله عليه ، ويرضون عمن يوافقهم وإن كان جاهلا سيء القصد ، ليس له علم ولا حُسْن قصد ، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله ، ويذموا من لم يذمه الله ورسوله ، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دين الله ورسوله...
ويقول الغزالي في إحياء علوم الدين عن بعض الناس : ... ويزعم أن غرضه إصلاح الخلق ، ولو ظهر من أقرانه من أقبلَ الخلقُ عليه ، وصلحوا على يديه ، لمات غماً وحسداً ، ولو أثنى أحدٌ من المترددين إليه على بعض أقرانه لكان أبغضَ خلقِ الله إليه ، فهؤلاء أعظم الناس غرة ، وأبعدهم عن التنبه والرجوع إلى السداد ...

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2757


خدمات المحتوى


تقييم
0.00/10 (0 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

موقع الشيخ الدكتور مسفر الدميني