موقع الشيخ الدكتور مسفر الدميني
موقع الشيخ الدكتور مسفر الدميني
السبت 11 يوليو 2020

جديد الصور
جديد مؤلفات الشيخ
جديد مقالات الشيخ
جديد الفيديو
جديد ترجمة الشيخ



جديد مؤلفات الشيخ

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

مقالات الشيخ
مقالات الشيخ
أدب الاختلاف (الجزء الثالث)
أدب الاختلاف (الجزء الثالث)
أدب الاختلاف (الجزء الثالث)
إحسان الظن بالمخالف
02-24-2012 05:48
الأدب الثاني من آداب الاختلاف هو :

إحسان الظن بالمخالف

قدمنا أن هذا الذي تختلف معه في فهم بعض نصوص الشريعة هو " أخوك " المسلم ، ربما كان إعداده العلمي مختلفاً عن إعدادك وتلقيك ، وأسلوب تفكيره غير أسلوب تفكيرك ، وقدرته العقلية ليست مثل قدرتك ، واستيعابه للنصوص لا يقارب استيعابك .... وهذا التفاوت أمرٌ طبيعي ، بل هو واقعٌ تجده في نفسك أنت ، كما تجده فيما حولك ، إنك لو قارنت بين حالك اليوم وحالك قبل سنتين أو خمس سنين أو أكثر لرأيت تحولات شتى حصلت في علمك وفهمك وطريقة تفكيرك ، كما ترى هذا التفاوت واضحاً في بيتك وبين " أولادك " الذين عاشوا معك ، وتربوا في كنفك ، وربما درسوا في مدرسة واحدة ، وفي بلد واحد ، وفي زمن واحد تقريباً ... فإذا كنت تجد بينهم شيئاً من الاختلاف في الفهم والقدرة والتفكير ، والتباين في المواقف من بعض القضايا المتشابهة ، وهم أبناؤك فكيف لا تجد مثل ذلك التباين بين العلماء وطلبة العلم في شتى بقاع الدنيا ؟ وأنت تعلم أن كلَّ بلد ، أو جامعة ، أو مدرسة فقهية لها صبغتها الخاصة وأسلوبها المتميز غالباً عن غيرها .
أقول هذا للتنبيه إلى ضرورة أن تقدر لمن خالفك في مسألة ، أو في موقف من شخص أو هيئة ، أن له عذره الذي جعله يقول ذلك القول أو يقف ذلك الموقف ، كيف لا ونحن نرى الاختلاف بين توجهاتنا الفكرية الإسلامية ، لا أقول بين الإسلاميين والعلمانيين وغيرهم ممن شابههم في انحرافاتهم العقدية ، بل بين المنتسبين إلى الإسلام ، الذين يلتزمون به ديناً ومنهج حياة ، وهم ممن درس في مدارس واحدة ، وتلقى مناهج واحدة ، وتربى في بلد واحد ، وها أنت ترى كلاً من تلك التوجهات أو الجماعات من يدعي السلفية وإتباع الكتاب والسنة دون غيره !.
فإذا كنت ترى في " قولك " و " رأيك " أنه الصواب – وهو كذلك إن شاء الله تعالى – وأن قول غيرك خطأ ومجاف للحق ، فهل ترى ذلك المخالف ما أخذ بذلك القول إلا لأنه متبع لهواه ، غير مريد للحق ، أو أن له مصلحة دنيوية شخصية ، أو منصباً تتوق نفسه له ، أو وجاهة يخشى فواتها ؟ أو أنه عدو لله ولرسوله ودينه ؟ أو لأنه منافق ؟ أو...
أو أن قوله ذلك في الحقيقة - وإن كان خطأ واضحاً في نظرك - هو ما أداه إليه اجتهاده بالنظر في النصوص الشرعية التي بلغته بحسب منهجه ، وطريقة تفكيره التي تلقاها وتربى عليها ؟
وهل ترى أنك خير منه ديناً وتقوى وورعاً ، وحباً للحق ، وجمعاً للخلق ؟
أو أنه لا يقل عنك ديناً وورعاً ، وحباً في الحق ، وإظهاراً له ؟
أعني هل تزكي نفسك دونه ؟
أَوَ لا تظن أنه محبٌ للخير ، مريدٌ للحق – مثلك - لكنه أخطأ الطريق وجانبه الصواب ؟
إنني أربأ بطالب علم يزكي نفسه ، ويتهم غيره في قصده ، فليس هذا سبيل المؤمنين المتقين الذين كانوا يتهمون أنفسهم في صحة قصدها ، وسلامة مرادها ، ويخشون الرياء أن يأكل أعمالهم ...
وإذا كان الأمر كذلك ، وأنك ترى من نفسك صحة المقصد ، وسلامة النية ، فهنا عليك أن تظن فيمن خالفك مثلما تظنه في نفسك - من حب الخير وإرادة الحق - وأنه مستحقٌ للأجر والثواب الذي وعد الله من اجتهد مريداً للحق ، وإن أخطا في اجتهاده ، ولم يصب في قوله أو فعله...
أليس استشعار ذلك واستحضاره مما يُخَفِّفُ حِدَّة الخلافِ ، ويحمل كلاً من المختلفين على تقدير مخالفِه واحترام رأيه ، ويفتح باباً – في نفس كلٍ منهما وعقله - يحمله على قبول الحق ، وترك ما يراه من رأي ؟
إن إحسان الظن بالمخالف يستلزم أموراً مهمة ينبغي معرفتها وتعدادها ، لكني قبل ذلك سأذكر مستندها الشرعي وأُذَكِّرَ به من ذَهَلَ عنه وهي :
قال تعالى { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى }
و قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن }
وقال تعالى {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين }
وقوله صلى الله عليه وسلم : " إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ " متفق عليه ، والنصوص في هذا كثيرة جداً لا يتسع المقام لسردها .
والأمور التي ينبغي معرفتها وتعدادها لتحقيق حسن الظن بالمخالف هي :
- عدم تزكية النفس ، بحيث لا ترى نفسك عالماً فذاً ، ومخالفك لا علم لديه ولا فهم ، وبالتالي ترى قولك صواباً لا يتطرق إليه الخطأ ، وقول غيرك خطأ محض لا قيمة له ولا يحتمل الصواب .
- أنك كما استفرغت وسعك في تحصيل ذلك القول ، فهذا الذي خالفك قد بذل جهده ، واستفرغ وسعه مثلك ، حتى قال قوله المخالف لك ، وأنتما جميعاً مأجوران على اجتهادكما .
- أنه مريدٌ للحق في اجتهاده – مثلك تماماً – وليس صاحب هوى ، فإذا كان قصدك حسناً فهو مثلك - إن شاء الله تعالى - أما أن ترى نفسك ورعاً تخاف الله ، وأنك تريد الخير والحق بقولك واجتهادك هذا ، أما مخالفك فلا تقوى لديه ، ولا يقصد الحق ، إنما يريد الإفساد في الأرض ... فهذا خلاف ما عليه السلف من الصحابة والتابعين الذين كانوا يخشون على أنفسهم الرياء .
- أن مهمتك هي بيان الحق للناس وإقامة الحجة عليهم – واختيار أفضل السبل لقبولهم واستجابتهم كما سيأتي في الفقرة التالية – وليس عليك إلزامهم بما تراه حقاً وصواباً ، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يحاسبهم على أعمالهم ونياتهم ، قال تعالى { إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل }-وقال تعالى { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء }
أن إحسان الظن بالمخالف ، واحترامه ، ومناداته بأحب الأسماء إليه ، ولين القول معه ، والثناء عليه بما هو فيه ، وبيان ما تضمنه قوله من حق وصواب ...كلها عوامل تشرح صدر المخالف لقبول الحق ، وتعينه على نفسه الأمّارة بالسوء ، وتذهب عنه الكبر والعُجْب ، فإن النفس - بطبيعتها - يصعب أن تتراجع عن قول أو رأي ، أو تعترف بخطأ أو قصور ... والعالم والداعي إلى الله يهمه أن يتقبل الناس منه الحق ، وأن ينتفعوا به ، وصدور ذلك من العالم والداعي إلى الله يشعر بصدقه ، وتواضعه ، وصلاح نيته ، بل هو من دلائل كمال رحمته بالناس ، وعطفه عليهم , وإرادته الخير لهم ، أما الذي يقول : المهم أن أبين الحق للخلق ، وأقيم الحجة عليهم ، ولا عليّ ألا يأخذوا بها - وكأن مهمته تنتهي عند البلاغ وإقامة الحجة - فهذا ليس متبعاً للمنهج النبوي في تعليم الناس ، والإحسان إليهم ، والرفق بهم ، قال تعالى {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين }وقال تعالى { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم }
إن إحسان الظن بالمخالف يحملك على احترامه ، والبحث عن عذره في المخالفة ، ويحمله هو على قبول ما أظهرته له من خطأ في قوله واجتهاده ، وعلى تأمل ما تذكره له من أدلة مخالفة لقوله ، وتشعره أنك له ناصحٌ أمينٌ ، مريدٌ للخير ، متواضعٌ غير مستكبر ، ولا متعجرف ، وبهذا يمكننا أن نحقق خطوة نحو التآلف والاجتماع ، ونبذ الفرقة والخصام ، لنكون جميعاً معتصمين بحبل الله ، كما أمرنا الله تعالى .
هذا ما تيسر ذكره ، وإلى أدب جديد هو :

العدل مع المخالف

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2575


خدمات المحتوى


تقييم
1.00/10 (4 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

موقع الشيخ الدكتور مسفر الدميني