موقع الشيخ الدكتور مسفر الدميني
موقع الشيخ الدكتور مسفر الدميني
السبت 11 يوليو 2020

جديد الصور
جديد مؤلفات الشيخ
جديد مقالات الشيخ
جديد الفيديو
جديد ترجمة الشيخ



جديد مؤلفات الشيخ

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

مقالات الشيخ
مقالات الشيخ
حديث مسلم عن حذيفة في ضَرْبِ الظهر وأخْذِ المال غصباً.
حديث مسلم عن حذيفة في ضَرْبِ الظهر وأخْذِ المال غصباً.
04-01-2012 09:53
الرياض / قبيل فجر السبت 30/3/1432 هـ
حديث مسلم عن حذيفة في ضَرْبِ الظهر وأخْذِ المال غصباً.

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد .
فقد طلب إليّ أحد الإخوة الفضلاء – قبل عدة أشهر - أن أنظر في حديث حذيفة الذي أخرجه مسلمٌ في صحيحه في ضرب الحاكم لظهور الرعية وأخذ أموالهم بغير حق ، وهذا ملخص ما انتهيت إليه من كتب أهل العلم مختصراً بما يناسب المقام .
قال مسلم في صحيحه : وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ التَّمِيمِىُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِىُّ أَخْبَرَنَا يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ حَسَّانَ - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِى ابْنَ سَلاَّمٍ - حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ سَلاَّمٍ عَنْ أَبِى سَلاَّمٍ قَالَ قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ : هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ ؟ قَالَ « نَعَمْ ». قُلْتُ : فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ ؟ قَالَ « نَعَمْ ». قُلْتُ : كَيْفَ ؟ قَالَ « يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَاىَ وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِى ، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِى جُثْمَانِ إِنْسٍ ». قَالَ قُلْتُ : كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟ قَالَ « تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ ».
قلت : تكلم الدارقطني على هذا حديث مسلم هذا في كتابه " التتبع " فقال : ( قال حذيفة : كُنَّا بِشَرٍّ ، فجاءَنا الله بخيرٍ ... ) هذا عِندي مُرْسَلٌ ، أبو سَلاَّمٍ لم يسمع من حذيفة ، ولا من نظرائه الذين نزلوا العراق ، لأن حُذيفة تُوفي بعد قتل عثمان رضي الله عنه ، بليال ، وقد قال فيه : قال حُذيفة ، فَهذا يَدُلُّ على إرسالِهِ . انتهى .
وقال النووي: ( وهو كما قال الدارقطني ، لكن المتن صحيحٌ متصلٌ بالطريق الأول ، وإنما أتى مسلمٌ بهذا متابعة كما ترى ) انتهى ، وقال ابن حجر في ترجمة " أبو سَلاَّمٍ " هذا في تهذيب التهذيب - الطبعة الهندية - وأرسل عن حذيفة وأبي ذر وغيرهما " .
.
قلت : المرسل نوعٌ من أنواع الحديث الضعيف عند جمهور المحدثين ، وهم لا يحتجون به ، و يعني النوويُ ؛ أن مسلماً ساق قبل روايته لهذا الحديث بهذا الإسناد المرسل المتضمن تلك اللفظة الغريبة حديثاً آخر بإسناد متصل لا إرسال فيه ، بنحو لفظه دون تلك العبارة الغريبة ، وهذا هو الحديث الذي يعنيه النووي ، وقد أخرجه مسلمٌ أولاً بإسناد صحيح ، ثم أتبعه بتلك المتابعة المرسلة مباشرة ، قال :
حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ حَدَّثَنِى بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِىُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِىَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ : كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِى ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِى جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ ؟ قَالَ : « نَعَمْ » فَقُلْتُ : هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ ؟ قَالَ : « نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ ». قُلْتُ : وَمَا دَخَنُهُ ؟ قَالَ « قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِى وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِى تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ ». فَقُلْتُ : هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : « نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا ». فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا. قَالَ : « نَعَمْ قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا ». قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِى ذَلِكَ ؟ قَالَ : « تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ». فَقُلْتُ : فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ ؟ قَالَ : « فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ».
وبالمقارنة بين متني الحديثين نجد أن هذا اللفظ الغريب – أعني قوله : « تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ » - غير موجود في سياق الحديث الصحيح قبله ، والحديث الثاني وإن كان له متابعة صحيحة كما قال النووي فإنه إنما يتقوى منه ما ورد في السياق الأول ، أما ما انفردت به تلك المتابعة من ألفاظ مؤثرة فإنها لا تتقوى لعدم ورودها في الحديث الصحيح ، وهذه النوع من الزيادات يسميها المحدثون " زوائد الألفاظ " ويعنون بذلك الألفاظ الزائدة المؤثرة في الحكم ، وهي التي يبحث لها - عادة - عن متابعات وشواهد تتقوى بها.
وإذْ لم تتقو تلك الزيادة المؤثرة بالحديث الصحيح قبلها فإننا سنبحث لها عن متابعات أخرى تقويها - ويعنون بها أحاديث أخرى عن الراوي نفسه - أو أحاديث أخرى عن غيره من الصحابة وهذه الأخيرة يسمونها " شواهد " .
وقد وجدت لهذه اللفظة الغريبة متابعة أخرى عن حذيفة بإسناد آخر أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم من طريق خَالِدِ بْنِ خَالِدٍ الْيَشْكُرِيِّ [ على اختلاف في اسمه سيأتي بيانه ] قَالَ خَرَجْتُ زَمَانَ فُتِحَتْ تُسْتَرُ حَتَّى قَدِمْتُ الْكُوفَةَ ... في حديث طويل فيه : فَقُلْتُ [ القائل حُذَيْفَة ] : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ شَرٌّ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، قَالَ قُلْتُ : فَمَا الْعِصْمَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : السَّيْفُ ، قَالَ قُلْتُ : وَهَلْ بَعْدَ هَذَا السَّيْفِ بَقِيَّةٌ ، قَالَ : نَعَمْ ، تَكُونَ إِمَارَةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ ، وَهُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ ، قَالَ قُلْتُ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : ثُمَّ تَنْشَأُ دُعَاةُ الضَّلَالَةِ ، فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ يَوْمَئِذٍ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ جَلَدَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ فَالْزَمْهُ ، وَإِلَّا فَمُتْ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلِ شَجَرَةٍ ... الحديث .
وهذه المتابعة فيها علل منها :
أنها وردت من طرق عدة ترجع إلى " خَالِدِ بْنِ خَالِدٍ الْيَشْكُرِيِّ " وقد اختلف في اسمه على وجوه كثيرة ، فقيل : خالد بن خالد اليشكري البَصْرِيّ ، وقيل : سبيع بن خالد ، وقيل : خالد بن سبيع ، وقيل : سبيعة بن خالد ، ويُقال غير ذلك ، وقد ذكره ابنُ حِبَّان في كتاب "الثقات" ووثقه العجلي ، وقال عنه الحافظ في التقريب : مقبول ، أي حيث يتابع ، لكن لا متابع له على هذه اللفظة سوى مرسل مسلم السابق ، ولا يُعرفُ له إلا هذا الحديث ، ولا شك أن تفرده بهذه اللفظة - وهو ممن ليس فيه من القبول ما يقبل له تفرده – ما يجعلها ضعيفة منكرة غير مقبولة .
ولكن هل تقوى هذه المتابعة على رفع حديث مسلم المرسل السابق إلى درجة الحسن ؟ هذا فيه نظر عندي وذلك لتفرد اليشكري بهذا اللفظ الغريب ، ورغم تعدد ألفاظ حديث حذيفة وكثرة مخارجه إلا أن هذه اللفظة لم ترد في أيّ منها ، وتبقى في نظري ضعيفة منكرة لا ترتفع إلى درجة الحسن ولا الصحة .
وعلى فرض أن تلك اللفظة من نوع المقبول من الحديث – أو هي في أدنى درجاته – فما هو توجيهها ؟
يمكن في نظري اعتبار ذلك الأمر حكماً خاصاً بالسائل - أعني حذيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – ودلائل تخصيصه بذلك الجواب أمور :
سياق الحديث وفيه : أنه كان يسأل عن أمر لا يسأل عنه غيره مخافة أن يدركه ، ولذا أنكر عليه هذا الطريقة في السؤال غيره من الصحابة كما قال هو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وبيّن لهم سبب ذلك ، ففي مسند أحمد قال : إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُمْ : إِنِّي سَأُخْبِرُكُمْ بِمَا أَنْكَرْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، جَاءَ الْإِسْلَامُ حِينَ جَاءَ ، فَجَاءَ أَمْرٌ لَيْسَ كَأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكُنْتُ قَدْ أُعْطِيتُ فِي الْقُرْآنِ فَهْمًا ، فَكَانَ رِجَالٌ يَجِيئُونَ فَيَسْأَلُونَ عَنْ الْخَيْرِ ، فَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ شَرٌّ فَقَالَ نَعَمْ ... الحديث .
ويتأكد ذلك بقوله : " وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِى " فإذن يخاف أن يدركه هو نفسه وليس الأمة ، فهو يبحث عن مخرج له من الشر .
وأمر آخر يبين تلك الخصوصية هو : حال الحاكم والوضع الاجتماعي الذي تقع فيها تلك الأحداث ، وهو حالُ ظلمٍ واستبداد وهرج ، ولذا قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أئمة تلك الفترة : " يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي ، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ ، قَالَ : قُلْتُ : كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ " فهؤلاء الأئمة الذين لا يتبعون السنة ولا يخافون الله تعالى ، بل هم شياطين في جلود إنس ، يمكنهم أن يبطشوا بمن خالفهم إن لم يطع أوامرهم أو يأتمر بأمرهم ، ولا شك أنه لو لم يترك لهم ماله إن رغبوا فيه ، أو قاومهم إن ضربوا ظهره – لا شك – أنهم سيقتلونه دون تردد ، ولو خيّرتَ أكثر الناس اليوم بين القتل أو أخذ المال لاختار أكثرهم أخذ المال وسلامة النفس ، بل لو خيّرت بعضهم بين الضرب وأخذ المال لاختاروا الثاني منهما دون تردد ، وليس معنى ذلك أن ما يفعله هذا الحاكم الظالم مما أباحه الله تعالى له ، أو مما يجوز له فعله، بل يعني بيان طريق السلامة من بطشه وجبروته ، ويكفي في ذلك ما تقدم من وصفه بترك الهدى والسنة ، كما جاء وصفه : " لا يتبع هدى ولا يأخذ بسنة " فهو حاكم ظالم جائر ، وله أعوان قلوبهم قلوب الشياطين في أجسام إنس .
وإذن فالخيار الذي اختاره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحذيفة هو الاختيار الأرفق به ، ولمن آثر السلامة من القتل والبطش الشديد ، وإذا أخذنا هذه العبارة الدالة على السكوت والاستسلام – وليس الرضا - في سياقها فلا غرابة فيها ، حيث إن الأمر ليس ملزماً لكل أحد أن يأخذ به ، بل هو نصيحة من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحذيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مراعياً حاله خاصة ، ومن كان حاله مثله – ومثلي أيضاً - فله أن يأخذ به ، أما من كانت له القدرة على معارضة الظالم ، ومقارعة أعوانه ، فله شرعاً أن يمتنع من إعطاء ماله لغاصبه ، أو يقبل الضيم من غريمه ، أو ينحني لظالم ، وله مع ذلك دليل شرعي أقوى من حديثنا هذا بدرجات ، وهو حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو الصحيح ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ - وللحديث قصة في الموضوع نفسه – أو بحديث مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِى قَالَ « فَلاَ تُعْطِهِ مَالَكَ ». قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِى قَالَ « قَاتِلْهُ ». قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِى قَالَ « فَأَنْتَ شَهِيدٌ ». قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ قَالَ « هُوَ فِى النَّارِ » .
وهنا ينبغي أن أشير إلى تفصيل لبعض أهل العلم في هذه المسألة ، وهو قول اِبْنِ الْمُنْذِرِ قال : وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْفَعَ عَمَّا ذُكِرَ إِذَا أُرِيدَ ظُلْمًا بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ ، إِلَّا أَنَّ كُلَّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ كَالْمُجْمِعِينَ عَلَى اِسْتِثْنَاءِ السُّلْطَانِ لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ بِالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِهِ وَتَرْكِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ . اِنْتَهَى .
قلت : ينبغي التفريق بين " الخروج " على السلطان ، أو ما عبّر عنه ابن المنذر بقوله : " وَتَرْكِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ " وبين عدم طاعته ورضاه بأخذِ ماله وضربِ ظهره بغير حق ، مع عدم خروجه عليه ، أو نقض بيعته ، وكأنه حقٌ للحاكم الظالم أن يقهر الناس ، ويبطش بهم ، ويأخذ أموالهم ظلماً وعدواناً ، بل يوصف من يرد عن نفسه ظلمهم بأنه " خارجي " .
وأيضاً فما دام الأمر موضع نظر ، ولا إجماع فيه معتبر ، فلكلٍ أن يختار لنفسه ما يراه حقاً وصواباً دون اتباع لهوى ، نسأل الله تعالى الهدى والصواب .

كتبه
أ . د . مسفر الدميني
أستاذ الحديث في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الرياض / قبيل فجر السبت 30/3/1432 هـ
ونشر – قبل تعديله – في مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية في 6/3/2011م تقريباً .



[/size]

تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 7736


خدمات المحتوى


تقييم
3.98/10 (16 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

موقع الشيخ الدكتور مسفر الدميني